السيد الطباطبائي

182

تفسير الميزان

من سهولها - والسهل خلاف الجبل سمي به لسهولة قطعه - قصورا وهى الدور التي لها سور على ما قيل ، وينحتون الجبال بيوتا يأوون إليها ويسكنونها . ثم جمع الجميع ولخصها في قوله : " فاذكروا آلاء الله " وأورده في صورة التفريع مع أنه إجمال للتفصيل الذي قبله بإيهام المغايرة كأنه لما أمر بذكر النعم وعد من تفاصيل النعم أشياء كأنهم لا يعلمون بها قيل ثانيا : فإذا كان لله فيكم آلاء ونعم عظيمه أمثال التي ذكرت فاذكروا آلاء الله . وأما قوله : " ولا تعثوا في الأرض مفسدين " فمعطوف على قوله : " فاذكروا " عطف اللازم على ملزومه ، وفسر العثي بالفساد وفسر بالاضطراب والمبالغة . قال الراغب في المفردات : العيث والعثي يتقاربان نحو جذب وجبذ إلا أن العيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حسا ، والعثي فيما يدرك حكما يقال : عثي يعثي عثيا وعلى هذا : " ولا تعثوا في الأرض مفسدين " . انتهى . قوله تعالى : " قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم " إلى آخر الآيتين ، دل سبحانه ببيان قوله : " للذين استضعفوا " بقوله : " لمن آمن منهم " على أن المستضعفين هم المؤمنون وأن المؤمنين إنما كانوا من المستضعفين ولم يكن ليؤمن به أحد من المستكبرين والباقي ظاهر . قوله : " فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم " إلى آخر الآية عقر النخلة قطعها من أصلها ، وعقر الناقة نحرها ، وعقر الناقة أيضا قطع قوائمها ، والعتو هو التمرد والامتناع وضمن في الآية معنى الاستكبار بدليل تعديته بعن ، والباقي ظاهر . قوله تعالى : " فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين " إلى آخر الآيتين . الرجفة هي الاضطراب والاهتزاز الشديد كما في زلزلة الأرض وتلاطم البحر ، والجثوم في الانسان والطير كالبروك في البعير . وقد ذكر الله هنا في سبب هلاكهم أنه أخذتهم الرجفة ، وقال في موضع آخر : " وأخذ الذين ظلموا الصيحة " هود : 67 ، وفي موضع آخر : " فأخذتهم صاعقة العذاب الهون " حم السجدة : 17 ، والصواعق السماوية لا تخلو عن صيحة هائلة تقارنها ولا ينفك ذلك غالبا عن رجفة الأرض هي نتيجة الاهتزاز الجوي الشديد إلى الأرض